أسير الكون
10-11-2009, 10:21 PM
لم يُقيّض لفيلسوف في العصر الحديث أن يحظي بشهرة نيتشه. كيف يحدث أن تقيّض مثل هذه الشهرة لقاتل كهذا؟ لم يعمل نيتشه علي قتل القيم التي سبقته أو سادت عصره فحسب بل تعدّي ذلك إلي قتل الأفكار والإنسان الذي أراد إبداله بـ الإنسان الأعلي وصولاً إلي قتل الله. ألم يقل: بعدما حكمت بالإعدام علي الله أنا جاهز لحكم العالم ؟ قتل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ ان نيتشه قتل أيضاً الفلسفة، الميدان الذي يعمل فيه. من بعده باتت الفلسفة موزعة علي علم النفس والاجتماع والسياسة والأبستمولوجيا وغيرها. ثم كيف قيّض لفيلسوف مثله يحتقر الصناعة والمرأة والغرب بإنجازاته آنذاك أن يدخل القرن العشرين فاتحاً وها هو لا يزال في بدايات القرن الحادي والعشرين أحد الحداثويين القلة الذين صمدوا من زمن إلي زمن؟
ليس لديَّ إجابات واضحة علي هذه الأسئلة. للإجابة تعوزني المعرفة الوافية بنيتشه وبالفلسفة التي لا تقع ضمن اختصاصي. أحسب أن كتابتي عن نيتشه تطفل ونوع من انتهاك حرمات البيوت. إذاً، كيف أجيب أنا القليل في هذا الشأن؟ لكنْ لعدم إجابتي سبب آخر. أظنه يكمن في توزّع إرث نيتشه في حقول كثيرة وصعوبة إحصاء هذا الإرث. أما مسوّغ كتابتي الآن فهي قراءتي ثلاثة كتب لنيتشه صدرت عن دار الجمل : ديوان نيتشه بترجمة محمد بن صالح و هو ذا الإنسان و هكذا تكلم زرادشت بترجمة علي مصباح. وهذا الكتاب الأخير صدر مجدداً قبل أسابيع قليلة بطبعة منقحة ومزيدة الحواشي مع تثبيت العنوان الفرعي له كتاب للجميع ولغير أحد .
قد يكون هكذا تكلم زرادشت خلاصة كتب نيتشه بتعبيره نفسه. لقد كتب لناشره في رسالة بتاريخ 13 شباط (فبراير) 1883 يقول: إن لديّ اليوم خبراً جميلاً أزفه إليكم: لقد قمت بخطوة حاسمة. أعني بذلك، وعلي سبيل الإشارة، أنها خطوة من المفترض أن تكون مفيدة بالنسبة إليكم. يتعلق الأمر بمؤلف صغير بعنوان هكذا تكلم زرادشت- كتاب للجميع ولغير أحد ، مقطوعة شعرية أو إنجيل خامس أو أي شيء لا يوجد له اسم بعد: إنه أكثر مؤلفاتي جدية وجرأة... . إذاً، هذا الكتاب يبدو خلاصة فلسفة نيتشه في الفلسفة وفي الحياة.
فيه يضع حداً للفسلفة الميتافيزيقية (وإن رآه هايدغر آخر الرجال الميتافيزيقيين في الغرب) من سقراط إلي كانط، مطوّراً فلسفة الإرادة عند شوبنهاور، متجاوزاً عصر الأنوار وانتصار ديكارت للإنسان بطرحه نظرية الإنسان الأعلي ، قاطعاً نهائياً مع الدين. لكن الكتاب الذي وضع بلغة تكاد تكون شعرية هو في المقام الأول احتقار للفلسفة وللغتها. وفي حين يسخر الكتاب من المسيح وتلامذته والأناجيل فإنه يكشف عن إيمان آخر.
لقد حاول نيتشه تحطيم المسيح ليحلَّ مكانه، وحاول قتل الله ليكون بديلاً عنه، وسخر من الأناجيل ليكتب إنجيله الخاص. وفي هذا كله، كان يتسرّب لنا أثر التربية التي تلقاها نيتشه ابن القس وحفيد القسّين من جهة الأب والأم، هو الذي كان يقرأ الإنجيل صغيراً بصوت يجعل عيون الآخرين تدمع، قبل أن ينقلب علي تربيته الكنسية في سن الثامنة عشرة. وربما كان تأثر جبران خليل جبران بطريقة معكوسة بكتاب هكذا تكلم زرادشت في كتابه النبي الذي يستعير النبرة نفسها والموضوعات نفسها، دليلاً علي هذا المنحي الديني المقلوب في شخصية الفيلسوف الألماني. لكن كيف استطاع نيتشه أن يكون حديثاً مع نقده للفلسفة ولمفكري عصر الأنوار أمثال ديكارت وروسّو؟ ببساطة فعل ذلك عبر فلسفة تجاوزية لكنها تذهب بعيداً بعكس الزمن. إن مديح نيتشه لديونيزوس وهيراقليطس وبالطبع لزرادشت هو نسف للفلسفة اليونانية الأخلاقية التي نشأت مع سقراط، المنحط الأول ، ثم أخذت اكتمالها مع تلميذه أفلاطون.
مع هذه الفلسفة تمَّ استبعاد الجسد ليحلَّ مكانه عالم المثل الأفلاطوني. ما فعله نيتشه أنه أعاد الاعتبار للجسد/ الأرض، مقابل الروح/ السماء التي تسلطت علي هذا الجسد في الفلسفة اليونانية الأفلاطونية ثم في الأفلوطينية المحدثة أو المسيحية أو في الأديان عموماً.
كان الجسد تابعاً علي الدوام: تابع النفس في الفلسفة، تابع الروح في الدين، تابع الذات في علم النفس ثم تابع الأنا في الحداثة. عند نيتشه يغدو الجسد مركز العالم. إنه الدماغ الكبير . سيأتي زمن تنتبه فيه الفلسفة (ونواحي الحياة الأخري أيضاً) لإنجاز نيتشه حين يقول ميرلوبونتي: حين أفكر الجسد أفكر العالم . أما ميشال فوكو فسوف يعيد قراءة التاريخ والدولة علي ضوء أفكار نيتشه حول الجسد والجنون وعبادة الذات كما في كتبه تاريخ الجنون ، المراقبة والمعاقبة و الانهمام بالذات و استعمال الذات . لكن أثر نيتشه لن يتوقف عند الفلسفة، إذ ان تحريره للجسد من الخطيئة بوصفها حيّزاً للعقاب والمحاسبة والقمع، سيشمل القرن العشرين من عالم الأزياء إلي تشريع اللواط والسحاق، ومن تحقيق الفردية إلي العلاقات الحرة، ومن مسابح العراة إلي حقوق المرأة، ومن اكتشاف الحسية إلي إشاعة اللغة الجسمانية. والأهم أنه قرن بين الإرادة والجسد مطوّراً نظرية الإرادة لدي شوبنهاور الذي جعل الفلسفة مسألة ذاتية ( العالم خيالي أنا )، أي بجعله الوجود مسألة إدراك شخصي. فلا وجود خارج الحواس أو خارج إدراكنا الذاتي للعالم: الجسد هو الإرادة منظوراً إليها من الداخل، والإرادة هي الجسد منظوراً إليه من الخارج .
لم يكن وحده بالطبع، لكنه كان إشارة البدء والأكثر راديكالية في الانتصار للجسد، إذا صحّت كلمة راديكالية في هذا المقام. هكذا هي فلسفة نيتشه: فلسفة ما قبل أخلاقية، لكنها فلسفة ارتدادية. في مناداته بالإنسان الأعلي كان يحطم الإنسان، وفي قتله الله كان يستعيد الإيمان به. إنها فلسفة ما وراء الخير والشر في استعارة لعنوان كتابه الشهير، أو بتعبيره: الشر الأعظم جزء من الخير الأعظم . فلسفة سنجد صدي لها في شعر بودلير كما يشي عنوان كتابه أفاعي الفردوس وكما يظهر شعره عموماً.
لكن أثر نيتشه يذهب أبعد من ذلك. من خلال وصفه الجسد بـ الدماغ الكبير كان يهيئ علم النفس لاكتشاف ضخم هو اللاوعي. ومن خلال اكتشاف اللاوعي خرجت السوريالية بنظرية الكتابة اللاواعية أو اكتشاف الحلم في الكتابة. ومن خلال قنوطه ورفضه وتحطيمه للقيم وإضاءته علي مأزق الكائن البشري كان يؤسس لتيار وجودي في الفلسفة والفن والأدب. من نيتشه تكوّن سيوران في كتابته فنَ الشذرة أو ما يُسمّي التوقيعات الشعرية، ومنه أيضاً أخذ رفضه للحشود واحتقاره للعموم وتخفيه ونقده لكل ثقافة تحيط به. ومن نيتشه أخذ كونديرا قلب المفاهيم وتفكيك البني الاجتماعية وتحرير الجسد وابتذال الحب ومديح القسوة والعطف علي الحيوانات وجعل الضحك بنية كاملة في أعماله الروائية. إن الخفة والضحك والتفكيك مسائل يدين بها كونديرا لهذا الفيسلوف الألماني كما أحسب. بالطبع ثمة تحريات يمكن أن تتوسّع في تبيان أثر نيتشه لدي سيوران وكونديرا، لكن مقالة عابرة كهذه لن تكون مكاناً مناسباً لهذه التحريات. لكن من قرأ نيتشه وسيوران وكونديرا سيلحظ هذه السلسلة التي أشرت إليها. ومن موت الفلسفة لدي نيتشه أخذ فوكو موت السياسة، أي موتها بمعناها الأخلاقي.
إن كتابة نيتشه التي تزعم البحث عن بطل ومخلّص هي كتابة تعمد إلي قتل البطل: البطل الأسطوري الذي سيطر علي الكتابة من عصر الملاحم إلي العصر الرومانسي، أي من عصر الإله إلي عصر العاشق. إنها كتابة تمتدح الأنانية لا التضحية، تمجّد الأخذ لا العطاء، تقيم مكاناً لمتعة السرقة علي متعة الجهد، كتابة هي نشيد للعزلة لا للاحتفاء بالجموع، ابتذال للعقل وفخر مطوّل بالجنون. هذه الكتابة وإن لم تكن تعليمية كما يوحي سطحها فإنها رسمت طرقاً أخري للكتابة: لم يعد الفيلسوف حكيم زمانه، لم يعد الشاعر ابن الإله، لم يعد العقل سيد الخلق، لم يعد الاعتراف تكريساً للموهبة. ومن هذه الـ لم يعد كانت كتابة أخري تتقدّم وتسود العالم. إنها كتابة الجنون والهامشية والحسية والاضطراب والهذيان والترفع وإدارة الظهر للجمهور والعيش في الظل والإخلاص للأفكار الخاصة والذهاب عميقاً في التجارب الفردية وظهور التجريب كمذهب راديكالي وشخصي. مرة أخري أحسب أن لنيتشه أثراً في هذا كله.
بماذا ندين لنيتشه بعد؟ أنه كان حقيقياً يحب من يموت في الوقت المناسب ، أنه يملك حساسية مفرطة تجاه الشعارت، أن حياته كانت عبارة عن لا امتدت ستاً وخمسين سنة، أن الإرادة الأصلب ما كانت قهراً للنفس أولاً، أنه كان يعرف أن أزمة الأوروبي في نمو الإنسان الخارجي علي حساب الإنسان الداخلي؟ بماذا ندين لمطرقة نيتشه؟ أن لها مفعولين: الهدم والبناء. بالمطرقة نفسها كان يهدم ويبني. كان يهدم أخلاقاً كاشفاً عن الأخلاقي فيه
ليس لديَّ إجابات واضحة علي هذه الأسئلة. للإجابة تعوزني المعرفة الوافية بنيتشه وبالفلسفة التي لا تقع ضمن اختصاصي. أحسب أن كتابتي عن نيتشه تطفل ونوع من انتهاك حرمات البيوت. إذاً، كيف أجيب أنا القليل في هذا الشأن؟ لكنْ لعدم إجابتي سبب آخر. أظنه يكمن في توزّع إرث نيتشه في حقول كثيرة وصعوبة إحصاء هذا الإرث. أما مسوّغ كتابتي الآن فهي قراءتي ثلاثة كتب لنيتشه صدرت عن دار الجمل : ديوان نيتشه بترجمة محمد بن صالح و هو ذا الإنسان و هكذا تكلم زرادشت بترجمة علي مصباح. وهذا الكتاب الأخير صدر مجدداً قبل أسابيع قليلة بطبعة منقحة ومزيدة الحواشي مع تثبيت العنوان الفرعي له كتاب للجميع ولغير أحد .
قد يكون هكذا تكلم زرادشت خلاصة كتب نيتشه بتعبيره نفسه. لقد كتب لناشره في رسالة بتاريخ 13 شباط (فبراير) 1883 يقول: إن لديّ اليوم خبراً جميلاً أزفه إليكم: لقد قمت بخطوة حاسمة. أعني بذلك، وعلي سبيل الإشارة، أنها خطوة من المفترض أن تكون مفيدة بالنسبة إليكم. يتعلق الأمر بمؤلف صغير بعنوان هكذا تكلم زرادشت- كتاب للجميع ولغير أحد ، مقطوعة شعرية أو إنجيل خامس أو أي شيء لا يوجد له اسم بعد: إنه أكثر مؤلفاتي جدية وجرأة... . إذاً، هذا الكتاب يبدو خلاصة فلسفة نيتشه في الفلسفة وفي الحياة.
فيه يضع حداً للفسلفة الميتافيزيقية (وإن رآه هايدغر آخر الرجال الميتافيزيقيين في الغرب) من سقراط إلي كانط، مطوّراً فلسفة الإرادة عند شوبنهاور، متجاوزاً عصر الأنوار وانتصار ديكارت للإنسان بطرحه نظرية الإنسان الأعلي ، قاطعاً نهائياً مع الدين. لكن الكتاب الذي وضع بلغة تكاد تكون شعرية هو في المقام الأول احتقار للفلسفة وللغتها. وفي حين يسخر الكتاب من المسيح وتلامذته والأناجيل فإنه يكشف عن إيمان آخر.
لقد حاول نيتشه تحطيم المسيح ليحلَّ مكانه، وحاول قتل الله ليكون بديلاً عنه، وسخر من الأناجيل ليكتب إنجيله الخاص. وفي هذا كله، كان يتسرّب لنا أثر التربية التي تلقاها نيتشه ابن القس وحفيد القسّين من جهة الأب والأم، هو الذي كان يقرأ الإنجيل صغيراً بصوت يجعل عيون الآخرين تدمع، قبل أن ينقلب علي تربيته الكنسية في سن الثامنة عشرة. وربما كان تأثر جبران خليل جبران بطريقة معكوسة بكتاب هكذا تكلم زرادشت في كتابه النبي الذي يستعير النبرة نفسها والموضوعات نفسها، دليلاً علي هذا المنحي الديني المقلوب في شخصية الفيلسوف الألماني. لكن كيف استطاع نيتشه أن يكون حديثاً مع نقده للفلسفة ولمفكري عصر الأنوار أمثال ديكارت وروسّو؟ ببساطة فعل ذلك عبر فلسفة تجاوزية لكنها تذهب بعيداً بعكس الزمن. إن مديح نيتشه لديونيزوس وهيراقليطس وبالطبع لزرادشت هو نسف للفلسفة اليونانية الأخلاقية التي نشأت مع سقراط، المنحط الأول ، ثم أخذت اكتمالها مع تلميذه أفلاطون.
مع هذه الفلسفة تمَّ استبعاد الجسد ليحلَّ مكانه عالم المثل الأفلاطوني. ما فعله نيتشه أنه أعاد الاعتبار للجسد/ الأرض، مقابل الروح/ السماء التي تسلطت علي هذا الجسد في الفلسفة اليونانية الأفلاطونية ثم في الأفلوطينية المحدثة أو المسيحية أو في الأديان عموماً.
كان الجسد تابعاً علي الدوام: تابع النفس في الفلسفة، تابع الروح في الدين، تابع الذات في علم النفس ثم تابع الأنا في الحداثة. عند نيتشه يغدو الجسد مركز العالم. إنه الدماغ الكبير . سيأتي زمن تنتبه فيه الفلسفة (ونواحي الحياة الأخري أيضاً) لإنجاز نيتشه حين يقول ميرلوبونتي: حين أفكر الجسد أفكر العالم . أما ميشال فوكو فسوف يعيد قراءة التاريخ والدولة علي ضوء أفكار نيتشه حول الجسد والجنون وعبادة الذات كما في كتبه تاريخ الجنون ، المراقبة والمعاقبة و الانهمام بالذات و استعمال الذات . لكن أثر نيتشه لن يتوقف عند الفلسفة، إذ ان تحريره للجسد من الخطيئة بوصفها حيّزاً للعقاب والمحاسبة والقمع، سيشمل القرن العشرين من عالم الأزياء إلي تشريع اللواط والسحاق، ومن تحقيق الفردية إلي العلاقات الحرة، ومن مسابح العراة إلي حقوق المرأة، ومن اكتشاف الحسية إلي إشاعة اللغة الجسمانية. والأهم أنه قرن بين الإرادة والجسد مطوّراً نظرية الإرادة لدي شوبنهاور الذي جعل الفلسفة مسألة ذاتية ( العالم خيالي أنا )، أي بجعله الوجود مسألة إدراك شخصي. فلا وجود خارج الحواس أو خارج إدراكنا الذاتي للعالم: الجسد هو الإرادة منظوراً إليها من الداخل، والإرادة هي الجسد منظوراً إليه من الخارج .
لم يكن وحده بالطبع، لكنه كان إشارة البدء والأكثر راديكالية في الانتصار للجسد، إذا صحّت كلمة راديكالية في هذا المقام. هكذا هي فلسفة نيتشه: فلسفة ما قبل أخلاقية، لكنها فلسفة ارتدادية. في مناداته بالإنسان الأعلي كان يحطم الإنسان، وفي قتله الله كان يستعيد الإيمان به. إنها فلسفة ما وراء الخير والشر في استعارة لعنوان كتابه الشهير، أو بتعبيره: الشر الأعظم جزء من الخير الأعظم . فلسفة سنجد صدي لها في شعر بودلير كما يشي عنوان كتابه أفاعي الفردوس وكما يظهر شعره عموماً.
لكن أثر نيتشه يذهب أبعد من ذلك. من خلال وصفه الجسد بـ الدماغ الكبير كان يهيئ علم النفس لاكتشاف ضخم هو اللاوعي. ومن خلال اكتشاف اللاوعي خرجت السوريالية بنظرية الكتابة اللاواعية أو اكتشاف الحلم في الكتابة. ومن خلال قنوطه ورفضه وتحطيمه للقيم وإضاءته علي مأزق الكائن البشري كان يؤسس لتيار وجودي في الفلسفة والفن والأدب. من نيتشه تكوّن سيوران في كتابته فنَ الشذرة أو ما يُسمّي التوقيعات الشعرية، ومنه أيضاً أخذ رفضه للحشود واحتقاره للعموم وتخفيه ونقده لكل ثقافة تحيط به. ومن نيتشه أخذ كونديرا قلب المفاهيم وتفكيك البني الاجتماعية وتحرير الجسد وابتذال الحب ومديح القسوة والعطف علي الحيوانات وجعل الضحك بنية كاملة في أعماله الروائية. إن الخفة والضحك والتفكيك مسائل يدين بها كونديرا لهذا الفيسلوف الألماني كما أحسب. بالطبع ثمة تحريات يمكن أن تتوسّع في تبيان أثر نيتشه لدي سيوران وكونديرا، لكن مقالة عابرة كهذه لن تكون مكاناً مناسباً لهذه التحريات. لكن من قرأ نيتشه وسيوران وكونديرا سيلحظ هذه السلسلة التي أشرت إليها. ومن موت الفلسفة لدي نيتشه أخذ فوكو موت السياسة، أي موتها بمعناها الأخلاقي.
إن كتابة نيتشه التي تزعم البحث عن بطل ومخلّص هي كتابة تعمد إلي قتل البطل: البطل الأسطوري الذي سيطر علي الكتابة من عصر الملاحم إلي العصر الرومانسي، أي من عصر الإله إلي عصر العاشق. إنها كتابة تمتدح الأنانية لا التضحية، تمجّد الأخذ لا العطاء، تقيم مكاناً لمتعة السرقة علي متعة الجهد، كتابة هي نشيد للعزلة لا للاحتفاء بالجموع، ابتذال للعقل وفخر مطوّل بالجنون. هذه الكتابة وإن لم تكن تعليمية كما يوحي سطحها فإنها رسمت طرقاً أخري للكتابة: لم يعد الفيلسوف حكيم زمانه، لم يعد الشاعر ابن الإله، لم يعد العقل سيد الخلق، لم يعد الاعتراف تكريساً للموهبة. ومن هذه الـ لم يعد كانت كتابة أخري تتقدّم وتسود العالم. إنها كتابة الجنون والهامشية والحسية والاضطراب والهذيان والترفع وإدارة الظهر للجمهور والعيش في الظل والإخلاص للأفكار الخاصة والذهاب عميقاً في التجارب الفردية وظهور التجريب كمذهب راديكالي وشخصي. مرة أخري أحسب أن لنيتشه أثراً في هذا كله.
بماذا ندين لنيتشه بعد؟ أنه كان حقيقياً يحب من يموت في الوقت المناسب ، أنه يملك حساسية مفرطة تجاه الشعارت، أن حياته كانت عبارة عن لا امتدت ستاً وخمسين سنة، أن الإرادة الأصلب ما كانت قهراً للنفس أولاً، أنه كان يعرف أن أزمة الأوروبي في نمو الإنسان الخارجي علي حساب الإنسان الداخلي؟ بماذا ندين لمطرقة نيتشه؟ أن لها مفعولين: الهدم والبناء. بالمطرقة نفسها كان يهدم ويبني. كان يهدم أخلاقاً كاشفاً عن الأخلاقي فيه